جريدة الجسر الجديد

الخبر مقدس والتعليق حر..
نرحب بالزوار الكرام في الجسر الجديد / الطريق الجماعي ...
على درب التنمية الحقيقية لبلدنا.. وتفاعلا مع التغيير النزيه...
جريدة الجسر الجديد

جريدة الجسر الجديد: جريدة جهوية تنموية مستقلة شاملة تصدر من الخميسات/المغرب


    في‭ ‬معنى‭ ‬الضحك -2- للدكتور عبد الكريم برشيد

    شاطر
    avatar
    aljisraljadide
    Admin

    عدد المساهمات : 819
    نقاط : 12720
    تاريخ التسجيل : 19/11/2010
    العمر : 45

    في‭ ‬معنى‭ ‬الضحك -2- للدكتور عبد الكريم برشيد

    مُساهمة من طرف aljisraljadide في 2016-10-02, 08:29

    في‭ ‬معنى‭ ‬الضحك -2-
    بقلم د.عبد الكريم برشيد-المغرب
    -تتمة-


    الضحك‭ ‬والتساؤلات‭ ‬الوجودية
    ‮  ‬إن‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬المسرحية،‭ ‬أيّ‭ ‬مسرحية،‭ ‬سواء‭ ‬أكانت‭ ‬مسرحية‭ ‬الوجود‭ ‬والحياة،‭ ‬أم‭ ‬كانت‭ ‬مسرحية‭ ‬الأدب‭ ‬والفن،‭ ‬أنها‭ ‬مجرد‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬السائرة‭ ‬والعابرة‭ ‬والمعبّرة،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬فقط،‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬الاستثنائي‭ ‬الذي‭ ‬يختصر‭ ‬كل‭ ‬الأيام‭ ‬والليالي،‭ ‬ويختزل‭ ‬كل‭ ‬الجغرافيا‭ ‬والتاريخ،‭ ‬ويتضمن‭ ‬كل‭ ‬المواقع‭ ‬والوقائع،‭ ‬ويخفي‭ ‬كل‭ ‬الحالات‭ ‬والمقامات،‭ ‬ويشي‭ ‬بكل‭ ‬أشكال‭ ‬الحوارات‭ ‬والخطابات‭ ‬المختلفة‭ ‬والمخالفة‭.‬
    في‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬المؤسس،‭ ‬سواء‭ ‬لحياة‭ ‬المسرح‭ ‬أو‭ ‬لمسرح‭ ‬الحياة،‭ ‬أو‭ ‬لحياة‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسرح،‭ ‬والذي‭ ‬هو‭ ‬يوم‭ ‬وجودي‭ ‬ومسرحي‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الآن،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬الأبدي‭ ‬والسرمدي‭ ‬يحضر‭ ‬النور‭ ‬وتحضر‭ ‬الظلمة‭ ‬معه،‭ ‬ويحضر‭ ‬الليل‭ ‬والنهار‭ ‬إلى‭ ‬جانبه،‭ ‬ويحضر‭ ‬الفرح‭ ‬والأسى‭ ‬يتعقبه‭ ‬مثل‭ ‬ظله،‭ ‬ويحضر‭ ‬الجمال‭ ‬والقبح‭ ‬يلاحقه،‭ ‬ويحضر‭ ‬الحضور‭ ‬والغياب‭ ‬يهدده،‭ ‬وأمام‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التناقضات‭ ‬التي‭ ‬تؤسس‭ ‬عيش‭ ‬الناس‭ ‬وعيش‭ ‬الشخصيات‭ ‬وعيش‭ ‬كل‭ ‬الكائنات‭ ‬الحيّة،‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬واجبنا‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭ ‬الأسئلة‭ ‬الأساسية‭ ‬والحيوية‭ ‬التالية‭:‬
    •‭ ‬من‭ ‬يضحك‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسرح‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يضحك؟
    ‭ ‬•‭ ‬ومن‭ ‬يضحك‭ ‬من،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يضحك‭ ‬على‭ ‬من،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬ماذا؟
    ‭ ‬•‭ ‬ولماذا‭ ‬يضحك‭ ‬الحاضر‭ ‬على‭ ‬الغائب‭ ‬عادة؟
    •‭ ‬وهل‭ ‬معنى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الغياب‭ ‬خطأ‭ ‬اجتماعي‭ ‬تعاقب‭ ‬عليه‭ ‬المجتمعات‭ ‬بالضحك؟
    في‭ ‬هذا‭ ‬المسرح‭ ‬يضحك‭ ‬الإنسان‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد،‭ ‬وذلك‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬حيوان‭ ‬ضاحك،‭ ‬وباعتبار‭ ‬أن‭ ‬لهذا‭ ‬الضحك‭ ‬فوائد‭ ‬نفسية‭ ‬وذهنية‭ ‬وعلاجية‭ ‬كثيرة‭ ‬جدا،‭ ‬ولولاه‭ ‬لماتت‭ ‬شعوب‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬القهر،‭ ‬ولانقرضت‭ ‬أمم‭ ‬كثيرة‭ ‬بفعل‭ ‬الأسى‭ ‬والهم‭ ‬والغم،‭ ‬ويضحك‭ ‬الإنسان‭ ‬ولسان‭ ‬حاله‭ ‬يقول‭ ‬دائما‭ ‬‮«‬ربنا‭ ‬ما‭ ‬خلقت‭ ‬هذا‭ ‬الضحك‭ ‬باطلا‭ ‬سبحانك‮»‬‭.‬
    وقد‭ ‬نتساءل‭ ‬أيضا‭:‬
    •‭ ‬هذا‭ ‬الضحك‭ ‬المسرحي‭ ‬ماذا‭ ‬يعني؟‭ ‬وماذا‭ ‬يشكل‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬ذوات‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات؟
    •‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬لحظات‭ ‬للاستراحة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منها؟
    •‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬حالة‭ ‬بريئة‭ ‬أم‭ ‬حالة‭ ‬عدوانية؟
    •‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬نفسي‭ ‬وذهني‭ ‬من‭ ‬الآخرين‭ ‬ومن‭ ‬سلوكهم‭ ‬ومن‭ ‬تفكيرهم؟
    •‭ ‬وهذا‭ ‬الضحك،‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬أخلاقي‭ ‬دائما،‭ ‬أم‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يرقى‭ ‬ليصل‭ ‬درجة‭ ‬الموقف‭ ‬الفكري‭ ‬والفلسفي،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أو‭ ‬السياسية،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬مجتمع‭ ‬من‭ ‬المجتمعات،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬حقبة‭ ‬من‭ ‬حقب‭ ‬التاريخ؟
    •‭ ‬ثم‭ ‬أيضا،‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الضحك‭ ‬مجرد‭ ‬تقليد‭ ‬ومحاكاة‭ ‬للطبيعة‭ ‬الضاحكة‭ ‬والباكية؟
    •‭ ‬وهل‭ ‬هذا‭ ‬المسرح،‭ ‬في‭ ‬معناه‭ ‬الحقيقي‭ ‬والشامل‭ ‬والكامل،‭ ‬إلا‭ ‬التقليد‭ ‬والمحاكاة؟
    لقد‭ ‬قال‭ ‬الشاعر‭ ‬البحتري‭:‬
    أتاك‭ ‬الربع‭ ‬الطلق‭ ‬يختال‭ ‬ضاحكا‮ ‬‭ ‬
    من‭ ‬الحسن‭ ‬حتى‭ ‬كاد‭ ‬أن‭ ‬يتكلم
    ‮ ‬•‬وهذا‭ ‬الضحك‭ ‬أيضا،‭ ‬أليس‭ ‬كلاما‭ ‬وتعبيرا،‭ ‬أو‭‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الكلام،‭ ‬والتي‭ ‬لها‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬عدّ‭ ‬ولا‭ ‬حصر؟
    وقد‭ ‬يحدث‭ ‬أن‭ ‬نضحك‭ ‬أيضا،‭ ‬عندما‭ ‬تضحك‭ ‬لنا‭ ‬الحياة،‭ ‬وقد‭ ‬يحدث‭ ‬أن‭ ‬نضحك‭ ‬نحن‭ ‬أولا،‭ ‬حتى‭ ‬تضحك‭ ‬لنا‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬ألم‭ ‬يقل‭ ‬المغنّي‭ ‬‮«‬اضحك‭ ‬للدنيا‭ ‬تضحك‭ ‬لك‮»‬،‭ ‬وحتى‭ ‬عندما‭ ‬تتمنّع‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا‭ ‬على‭ ‬الإنسان،‭ ‬ولا‭ ‬تظهر‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬جانبها‭ ‬السيئ‭ ‬والمحزن،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يكف‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الضحك،‭ ‬وبمرارة‭ ‬يضحك‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬يضحك‭ ‬ضحكا‭ ‬كالبكاء‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬المتنبي‭.‬
    ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نواصل‭ ‬فعل‭ ‬السؤال،‭ ‬وأن‭ ‬نقول‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬
    –‭ ‬وفعل‭ ‬الضحك‭ ‬هذا،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬أو‭‬في‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬المسرح،‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬آلي،‭ ‬ميكانيكي،‭ ‬يصدر‭ ‬عنّا‭ ‬رغما‭ ‬عنّا،‭ ‬أم‭ ‬إنه‭ ‬فعل‭ ‬نأتيه‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬واختيار‭ ‬وعن‭ ‬سابق‭ ‬إصرار‭ ‬وترصد‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬فقهاء‭ ‬القانون؟
    إنّ‭ ‬الضحك‭ ‬مستويات‭ ‬بلا‭ ‬شك،‭ ‬مستويات‭ ‬بعضها‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬وأبعد‭ ‬من‭ ‬بعض،‭ ‬وفي‭ ‬أدنى‭ ‬درجات‭ ‬هذا‭ ‬الضحك‭ ‬نجد‭ ‬الضحك‭ ‬المادي‭ ‬الحسّي،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬درجاته‭ ‬فإنّنا‭ ‬نجد‭ ‬الضحك‭ ‬العقلي‭ ‬والفكري،‭ ‬وتشكّل‭ ‬السخرية‭ ‬الوجودية،‭ ‬كما‭ ‬مارسها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬والمبدعين‭ ‬المتفلسفين،‭ ‬قمّة‭ ‬الضحك‭ ‬والإضحاك‭.‬
    وفي‭ ‬هذا‭ ‬الضحك‭ ‬دائما،‭ ‬وكما‭ ‬يعرف‭ ‬الجميع،‭ ‬تلتقي‭ ‬كل‭ ‬الشعوب‭ ‬والأمم،‭ ‬ولكن‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة،‭ ‬وذلك‭ ‬بحكم‭ ‬أنّ‭ ‬استجابة‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب‭ ‬والأمم‭ ‬لا‭ ‬تتم‭ ‬دائما‭ ‬بنفس‭ ‬القوة‭ ‬وبنفس‭ ‬الحماس‭ ‬وبنفس‭ ‬الإيمان‭ ‬بالضحك،‭ ‬فهناك‭ ‬شعوب‭ ‬مبتسمة،‭ ‬وهناك‭ ‬شعوب‭ ‬ضاحكة،‭ ‬وهناك‭ ‬شعوب‭ ‬مقهقهة،‭ ‬وهناك‭ ‬شعوب‭ ‬غنيّة‭ ‬برصيدها‭ ‬في‭ ‬بنك‭ ‬الضحك،‭ ‬وهناك‭ ‬شعوب‭ ‬أخرى‭ ‬فقيرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬الحيوية،‭ ‬فقيرة‭ ‬لحدّ‭ ‬البؤس‭.‬
    وفي‭ ‬تاريخ‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وعبر‭ ‬كل‭ ‬المراحل‭ ‬المختلفة‭ ‬والمتعاقبة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ،‭ ‬ظهرت‭ ‬حقب‭ ‬خاصة‭ ‬ازدهر‭ ‬فيها‭ ‬الضحك‭ ‬بشكل‭ ‬واضح،‭ ‬وظهرت‭ ‬حقب‭ ‬أخرى‭ ‬لحقها‭ ‬الحرب‭ ‬والدمار،‭ ‬ولفّها‭ ‬الهمّ‭ ‬والغمّ‭ ‬والأسى،‭ ‬ولقد‭ ‬تمّت‭ ‬ترجمة‭ ‬القلق‭ ‬الوجودي‭ ‬الإغريقي‭ ‬إلى‭ ‬تراجيديا‭ ‬فيها‭ ‬عنف‭ ‬وقوة،‭ ‬وفيها‭ ‬أسئلة‭ ‬ومسائل‭ ‬فلسفية،‭ ‬وفيها‭ ‬خوف‭ ‬ورعب،‭ ‬أما‭ ‬الدراما‭ ‬الرومانية،‭ ‬وبحكم‭ ‬فقرها‭ ‬الفكري‭ ‬والفلسفي،‭ ‬فقد‭ ‬نظرت‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬مختلفة،‭ ‬ونظرت‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬بعين‭ ‬ضاحكة‭.‬
    وفي‭ ‬السينما‭ ‬العالمية‭ ‬الحديثة،‭ ‬اشتهرت‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين‭ ‬بالضحك،‭ ‬وقد‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬السنوات‭ ‬المقهقهة،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬الموسم‭ ‬الضاحك‭ ‬والمقهقه‭ ‬صالت‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬وجالت،‭ ‬وأضحكت‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مكان،‭ ‬وكان‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬هؤلاء‭ ‬الضاحكين‭ ‬المضحكين‭ ‬شارلي‭ ‬شابلن‭ ‬ولوريل‭ ‬وهاردي،‭ ‬وبودابوط‭ ‬ولو‭ ‬كسطلو‭ ‬وهارولد‭ ‬لويد‭ ‬وبيستر‭ ‬كيتون‭ ‬والإخوان‭ ‬ماركس‭ ‬وغيرهم‭ ‬كثير،‭ ‬أما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وبعد‭ ‬كل‭ ‬المآسي‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬الغرب‭ ‬الأوروبي،‭ ‬فقد‭ ‬اختفى‭ ‬ذلك‭ ‬الضحك‭ ‬الأبيض‭ ‬وظهر‭ ‬مكانه‭ ‬ضحك‭ ‬آخر‭ ‬أسود،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬المسرحيين‭ ‬الذين‭ ‬أطلق‭ ‬مارتن‭ ‬إيسلن‭ ‬على‭ ‬مسرحهم‭ ‬اسم‭ ‬مسرح‭ ‬العبث،‭ ‬وسماه‭ ‬غيره‭ ‬مسرح‭ ‬الطليعة،‭ ‬وسماه‭ ‬الباحثون‭ ‬والدارسون‭ ‬العرب‭ ‬مسرح اللامعقول‭.‬
    وفي‭ ‬المسرح‭ ‬المصري‭ ‬تزدهر‭ ‬الكوميديا‭ ‬منذ‭ ‬الفصول‭ ‬المضحكة‭ ‬التي‭ ‬كتب‭ ‬عنها‭ ‬د‭. ‬علي‭ ‬الراعي‭ ‬ومنذ‭ ‬نجيب‭ ‬الريحاني‭ ‬وعلي‭ ‬الكسار‭ ‬وشرفنطح‭ ‬وماري‭ ‬منيب‭ ‬وزينات‭ ‬صدقي‭ ‬وحسن‭ ‬فايق‭ ‬وإسماعيل‭ ‬يس‭ ‬وعبدالسلام‭ ‬النابلسي‭ ‬وغيرهم‭ ‬كثير،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬قبل‭ ‬زمن‭ ‬النكسة،‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الضحك‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بالرخاء‭ ‬وبالفرح‭ ‬وبالأمان‭ ‬وبالسلم‭.‬
    أما‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬فقد‭ ‬جاءت‭ ‬مواسم‭ ‬الضحك‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال‭ ‬مباشرة،‭ ‬وكانت‭ ‬ممثلة‭ ‬بفرق‭ ‬مسرحية‭ ‬تجوب‭ ‬البلاد‭ ‬شمالا‭ ‬وجنوبا‭ ‬وشرقا‭ ‬وغربا،‭ ‬وتنقل‭ ‬البهجة‭ ‬والفرحة‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬كافة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬وظهر‭ ‬ممثلون‭ ‬كبار‭ ‬يمتلكون‭ ‬روح‭ ‬النكتة‭ ‬الشعبية،‭ ‬ولهم‭ ‬قدرة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الضحك‭ ‬والإضحاك،‭ ‬وعلى‭ ‬نقد‭ ‬المغرب‭ ‬القديم،‭ ‬وذلك‭ ‬بكل‭ ‬تقاليده‭ ‬القديمة‭ ‬والبالية‭ ‬والمتحفية،‭ ‬والتبشير‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬بالقيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬المعاصرة‭ ‬والجديدة،‭ ‬ومن‭ ‬هؤلاء‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬الكاتب‭ ‬والممثل‭ ‬الكبير‭ ‬أحمد‭ ‬الطيب‭ ‬العلج‭ ‬والممثلون‭ ‬أحمد‭ ‬العلوي‭ ‬وأحمد‭ ‬العماري‭ ‬وحمادي‭ ‬عمور‭ ‬والعربي‭ ‬الدغمي،‭ ‬كما‭ ‬ازدهر‭ ‬شكل‭ ‬مسرحي‭ ‬شعبي‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬وقريب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأشكال‭ ‬الاحتفالية‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الشعبية‭ ‬وفي‭ ‬الساحات‭ ‬العامة،‭ ‬مثل‭ ‬جامع‭ ‬الفنا،‭ ‬وفي‭ ‬المواسم‭ ‬الدينية‭ ‬السنوية،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العصاميين‭ ‬ومن‭ ‬الموهوبين‭ ‬في‭ ‬فن‭ ‬الإضحاك،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬مثل‭ ‬بوشعيب‭ ‬البيضاوي‭ ‬والبشير‭ ‬العلج‭ ‬وأحمد‭ ‬القدميري‭ ‬والحبيب‭ ‬القدميري‭ ‬والصويري‭ ‬والمفضل‭ ‬الحريزي‭ ‬وعبدالجبار‭ ‬الوزير‭ ‬ومحمد‭ ‬بلقاس‭ ‬وغيرهم‭ ‬كثير‭.‬
    وقد‭ ‬أتت‭ ‬على‭ ‬المسرح‭ ‬العربي‭ ‬مواسم‭ ‬كثيرة‭ ‬عرف‭ ‬فيها‭ ‬غيابا‭ ‬ملحوظا‭ ‬للضحك‭ ‬الصادق‭ ‬والخالص‭ ‬والحقيقي،‭ ‬وشاع‭ ‬فيه‭ ‬الهم‭ ‬السياسي‭ ‬والنضالي،‭ ‬وعلت‭ ‬النبرة‭ ‬الاتهامية‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬تحريضي،‭ ‬وأصبح‭ ‬هذا‭ ‬المسرح‭ ‬بين‭ ‬حدّين‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يتحرر‭ ‬منهما،‭ ‬حد‭ ‬الخطابة‭ ‬عالية‭ ‬الصوت،‭ ‬وحد‭ ‬الغنائية‭ ‬الباكية،‭ ‬وقد‭ ‬زادت‭ ‬حدة‭ ‬هذه‭ ‬الخطابية‭ ‬وتلك‭ ‬الغنائية‭ ‬مع‭ ‬الجرح‭ ‬الفلسطيني‭ ‬النازف،‭ ‬وأصبح‭ ‬المسرحيّ‭ ‬العربيّ‭ ‬تفضحه‭ ‬قضيته،‭ ‬وتمنعه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يضحك‭ ‬ضحكا‭ ‬خالصا،‭ ‬وإذا‭ ‬حضر‭ ‬هذا‭ ‬الضحك،‭ ‬فإنه‭ ‬يصبح‭ ‬ضحكا‭ ‬ملوّنا،‭ ‬ويكون‭ ‬بكاء‭ ‬أو‬تباكيا‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬العربية‭ ‬الجماعية‭ ‬وعلى‭ ‬حالها‭ ‬السياسي،‭ ‬ونتساءل‭ ‬الآن‭:‬
    •‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬هل‭ ‬انتهت‭ ‬حقا؟
    •‭ ‬هل‭ ‬دخلنا‭ ‬عهدا‭ ‬مسرحيا‭ ‬جديدا‭ ‬يقطع‭ ‬مع‭ ‬المرحلة‭ ‬الحزيرانية؟
    •‭ ‬وهل‭ ‬من‭ ‬حقننا‭ ‬أن‭ ‬نؤسس‭ ‬لمرحلة‭ ‬أخرى‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الضحك‭ ‬المسرحي‭ ‬العربي،‭ ‬مرحلة‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭ ‬وعقلانية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المراحل‭ ‬الفطرية‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬المسرح‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬قبل؟
    هذه‭ ‬الأسئلة،‭ ‬وأخرى‭ ‬غيرها‭ ‬كثير،‭ ‬ننتظر‭ ‬أن‭ ‬يجيب‭ ‬عنها‭ ‬المسرح‭ ‬العربي‭ ‬مستقبلا،‭ ‬وذلك‭ ‬عندما‭ ‬يتحرر‭ ‬من‭ ‬تقليد‭ ‬الجديد‭ ‬عند‭ ‬الآخرين،‭ ‬بدل‭ ‬تأسيسه‭ ‬وإنتاجه،‭ ‬وعندما‭ ‬يتحرر‭ ‬من‭ ‬التبعية‭ ‬ومن‭ ‬الشكلانية‭ ‬التي‭ ‬يقدمها‭ ‬المسرح‭ ‬التجريبي،‭ ‬حيث‭ ‬تغيب‭ ‬روح‭ ‬المسرح‭ ‬الحق،‭ ‬وتبقى‭ ‬الكلمة‭ ‬للأشكال‭ ‬والألوان‭ ‬والأضواء‭ ‬والحركات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬معنى‭ ‬أو‭‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭.‬
    وعندما‭ ‬ألتقى‭ ‬صاحبي‭ ‬الممثل،‭ ‬في‭ ‬رحلتي‭ ‬الافتراضية‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬العالم‭ ‬الافتراضي‭ ‬في‭ ‬‮«‬الرحلة‭ ‬البرشيدية‮»‬‭ ‬وأسأله‭:‬
    –‭ ‬‮«‬وأنت‭ ‬يا‭ ‬صاحبي‭ ‬ماذا‭ ‬تختار؟‮»‬‭.‬
    فإنني‭ ‬أجده‮ ‬‭ ‬يقول‭ ‬لي‭:‬
    –‭ ‬‮«‬أنا؟‭ ‬أنا‭ ‬أختار‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جاد‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬تجهّم،‭ ‬وأختار‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إضحاك‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬إسفاف،‭ ‬وأختار‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬طبيعي‭ ‬وواقعي،‭ ‬وأعرف‭ ‬أن‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬غناها،‭ ‬وأن‭ ‬أروع‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬شاعريته،‭ ‬وأختار‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬بسيط‭ ‬وسهل‭ ‬أيضا،‭ ‬وأعرف‭ ‬أن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬البساطة‭ ‬صعوبتها‭ ‬الخفية،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬عليها‭ ‬إلا‭ ‬القادرون‭..‬‮»‬(‬الرحلة‭ ‬البرشيدية،‭ ‬رحلة‭ ‬افتراضية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬افتراضي،‭ ‬مخطوط‭(‬‭.‬
    ‮ 
    ثنائية‭ ‬المضحك‭ ‬المبكي
    ‮ ‬هي‭ ‬ثنائية‭ ‬أخرى‭ ‬صادفتني‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬مسرحي،‭ ‬وحضرت‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬حياتي،‭ ‬وهي‭ ‬ثنائية‭ ‬المضحك‭ ‬المبكي،‭ ‬وقد‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬دائما‭ ‬بين‭ ‬حدّين‭ ‬متقابلين‭ ‬ومتعارضين‭ ‬و(‬متناقضين‭):‬‭: ‬حد‭ ‬الفرح‭ ‬وحد‭ ‬الحزن،‭ ‬أو‬بين‭ ‬حدّ‭ ‬التراجيديا‭ ‬والكوميديا،‭ ‬ولقد‭ ‬تساءلت‭ ‬دائما‭.. ‬نعم،‭ ‬أنا‭ ‬الكاتب‭ ‬الباحث‭ ‬المفكر‭ ‬المسرحي‭ ‬تساءلت‭:‬
    •‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬أبدأ‭ ‬في‭ ‬فعل‭ ‬هذه‭ ‬الكتابة‭ ‬الحية؟
    •‭ ‬وأيّ‭ ‬الحدين‭ ‬هو‭ ‬الصحيح‭ ‬والسليم،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬والحياة،‭ ‬أو‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والإبداع،‭ ‬أو‭في‭ ‬اليقظة‭ ‬والمنام؟
    •‭ ‬وأيّ‭ ‬المسرحين‭ ‬هو‭ ‬الواقعي‭ ‬والحقيقي: ‬المسرح‭ ‬الكوميدي‭ ‬الضاحك،‭ ‬أم‭ ‬المسرح‭ ‬المأساوي‭ ‬الباكي؟‮ ‬‭‬المسرح‭ ‬الجاد‭ ‬لحد‭ ‬التجهّم،‭ ‬أم‭ ‬المسرح‭ ‬الفكاهي‭ ‬لحد‭ ‬الإسفاف‭ ‬والتهريج؟
    •‭ ‬وهل‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية‭ ‬مأساة‭ ‬حقيقية‭ ‬أم‭ ‬إنها‭ ‬مجرد‭ ‬مهزلة‭ ‬وجودية؟
    وكما‭ ‬كسرت‭ ‬ثنائية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬في‭ ‬وعيي‭ ‬السياسي،‭ ‬وكما‭ ‬تجاوزت‭ ‬ثنائية‭ ‬الدين‭ ‬والدولة‭ ‬في‭ ‬رؤيتي‭ ‬الفكرية،‭ ‬وكما‭ ‬قفزت‭ ‬على‭ ‬ثنائية‭ ‬التفاؤل‭ ‬والتشاؤم‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬الوجدانية،‭ ‬فقد‭ ‬راجعت‭ ‬ثنائية‭ ‬النحن‭ ‬والآخر‭ ‬أيضا،‭ ‬وراجعت‭ ‬ثنائية‭ ‬الهنا‭ ‬والهناك،‭ ‬وثنائية‭ ‬الأصيل‭ ‬والدخيل،‭ ‬وثنائية‭ ‬الواقعي‭ ‬والتاريخي،‭ ‬وثنائية‭ ‬الطبيعي‭ ‬والماورائي،‭ ‬وثنائية‭ ‬العامي‭ ‬والفصيح،‭ ‬وبذلك‭ ‬فقد‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أدري‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬أدري،‭ ‬أدمّر‭ ‬ثنائية‭ ‬المضحك‭ ‬والمبكي‭ ‬أيضا،‭ ‬ولقد‭ ‬جاء‭ ‬هذا‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬عقيدتي‭ ‬الإسلامية‭ ‬الموحدة‭ ‬أولا،‭ ‬ومن‭ ‬إيماني‭ ‬الصوفي‭ ‬بالحلول‭ ‬ثانيا،‭ ‬ومن‭ ‬قناعتي‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬أصدّق‭ ‬كل‭ ‬الأمور‭ ‬أسى‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يضحك‭ ‬ولا‭ ‬يبكي‮»‬‭ ‬ثالثا،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬الأساسي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نحيا‭ ‬وكفى‭.. ‬نحيا‭ ‬بصدق‭ ‬وكفى‭.‬
    لوحة: إسماعيل نصرة


    وفي‭ ‬عالم‭ ‬هذا‭ ‬المسرح‭ ‬عشت‭ ‬دائما،‭ ‬وتعوّدت‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬أقيم‭ ‬الحدود‭ ‬والسدود‭ ‬بين‭ ‬المأسوي‭ ‬والملهاوي،‭ ‬وعلى‭ ‬ألا‭ ‬أضع‭ ‬الحرس‭ ‬والعسس‭ ‬بينهما،‭ ‬ولا‭ ‬يغريني‭ ‬اللعب‭ ‬بالتصنيفات‭ ‬والتفريعات‭ ‬المدرسية،‭ ‬فالمهم‭ ‬عندي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أحيا‭ ‬وأكتب،‭ ‬وأن‭ ‬أكتب‭ ‬وأحيا،‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬تكتب‭ ‬أمّنا‭ ‬الطبيعة،‭ ‬وكما‭ ‬تكتب‭ ‬الأيام‭ ‬والليالي،‭ ‬وكما‭ ‬يكتب‭ ‬التاريخ،‭ ‬وهل‭ ‬الإبداع‭ ‬إلا‭ ‬التأريخ‭ ‬الوجداني‭ ‬لما‭ ‬أهمله‭ ‬التاريخ،‭ ‬ولما‭ ‬نسيه‭ ‬السادة‭ ‬المؤرخون؟
    وأعترف‭ ‬أن‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬كتبته‭ ‬بالأمس،‭ ‬وأن‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬أكتبه‭ ‬اليوم،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬احتفاليات‭ ‬مسرحية‭ ‬وكفى،‭ ‬وأيّ‭ ‬نعت‭ ‬آخر‭ ‬لها‭ ‬غير‭ ‬هذا‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يعنيني،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الاحتفاليات‭ ‬الدرامية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتوقع‭ ‬حدوث‭ ‬أيّ‭ ‬شيء،‭ ‬وأن‭ ‬نسمع‭ ‬كلّ‭ ‬كلام،‭ ‬وأن‭ ‬تثير‭ ‬لدينا‭ ‬كل‭ ‬الحالات‭ ‬المختلفة‭ ‬والمتناقضة‭ ‬والمتضاربة‭ ‬والغامضة‭ ‬والمبهمة،‭ ‬فالحال‭ ‬أحادي‭ ‬البعد‭ ‬واللون‭ ‬ممنوع‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬الاحتفالية‭ ‬وفي‭ ‬الإبداع‭ ‬الاحتفالي،‭ ‬والرأي‭ ‬أحادي‭ ‬البعد‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الاحتفالي‭ ‬أيضا،‭ ‬ولهذا‭ ‬يقول‭ ‬الحكواتي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الاحتفالية‭ ‬المسرحية‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬المقامات‭ ‬البهلوانية‮»‬‭ ‬الكلمة‭ ‬التالية‭:‬
    –‭ ‬‮«‬من‭ ‬حقك‭ ‬أن‭ ‬تفرح،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬مجال‭ ‬للفرح،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬حقك‭ ‬أن‭ ‬تحزن‭ ‬أيضا،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يدعو‭ ‬للحزن‭.. ‬الفرح‭ ‬هو‭ ‬الأصل‭ ‬يا‭ ‬صاحبي،‭ ‬والحزن‭ ‬حالة‭ ‬عابرة،‭ ‬فحاول‭ ‬ألا‭ ‬تسرقك‭ ‬الحالات‭ ‬العابرة‮»‬‭ ‬‭(‬عبدالكريم‭ ‬برشيد،‭ ‬الأعمال‭ ‬المسرحية‭ ‬الكاملة،‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة،‭ ‬الرباط،‭ ‬2009‭)‬‭.‬
    وهذه‭ ‬الاحتفالية‭ ‬لا‭ ‬تمارس‭ ‬الإضحاك‭ ‬عن‭ ‬سابق‭ ‬قصد،‭ ‬وقديما‭ ‬قال‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬بلدي‭ ‬‮«‬الضحك‭ ‬بلا‭ ‬سبب‭ ‬من‭ ‬قلة‭ ‬الأدب‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬تستبعد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬اللقاء‭ ‬المسرحي‭ ‬جلسة‭ ‬للضحك‭ ‬الخالص،‭ ‬وهل‭ ‬هناك‭ ‬فعلا‭ ‬ضحك‭ ‬خالص؟
    كما‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تؤمن،‭ ‬بأن‭ ‬مجرد‭ ‬إثارة‭ ‬الخوف‭ ‬والشفقة‭ ‬والرعب،‭ ‬في‭ ‬التراجيديا،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬معنى‭ ‬لدى‭ ‬المتلقي،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬ضيّعت‭ ‬فيه‭ ‬الأشياء‭ ‬والكلمات‭ ‬والعبارات‭ ‬والحالات‭ ‬بساطتها‭ ‬وشفافيتها،‭ ‬وأصبح‭ ‬للضحك‭ ‬أصناف‭ ‬وألوان‭ ‬وأصباغ‭ ‬بعدد‭ ‬لا‭ ‬يحصى،‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬الضحك‭ ‬الأبيض،‭ ‬ومرورا‭ ‬بالضحك‭ ‬الأصفر،‭ ‬وانتهاء‭ ‬إلى‭ ‬الضحك‭ ‬الأسود‭.‬
    يقول‭ ‬نفس‭ ‬ذلك‭ ‬الحكواتي،‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬ذلك‭ ‬الاحتفال‭ ‬المسرحي‭:‬
    ‮«‬اعلم‭ ‬يا‭ ‬صاحبي‭ ‬أن‭ ‬الضحك‭ ‬حربائي‭ ‬وزئبقي،‭ ‬فقد‭ ‬تراه‭ ‬أنت‭ ‬مدحا‭ ‬وهو‭ ‬هجاء،‭ ‬وقد‭ ‬تراه‭ ‬فرحا‭ ‬وهو‭ ‬بكاء،‭ ‬وقد‭ ‬تراه‭ ‬امتلاء‭ ‬وهو‭ ‬خواء،‭ ‬وقد‭ ‬يحسه‭ ‬الواهمون‭ ‬ضحكا‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬وهو‭ ‬ضحك‭ ‬عليهم‭.. ‬يضحكون‭ ‬ضحكا‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬بكاء‭ ‬أو‭ ‬يشبه‭ ‬البكاء‮»‬‭ )‬الأعمال‭ ‬المسرحية‭ ‬الكاملة‭(
    إن‭ ‬الضحك‭ ‬الحقيقي‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬البكاء‭ ‬الصادق،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البكاء‭ ‬الذي‭ ‬يرتقي‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬الحزن‭ ‬وأقصاها،‭ ‬والذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬حدّه،‭ ‬لينقلب‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬ضدّه،‭ ‬أو‭‬إلى‭ ‬وجهه‭ ‬الثاني،‭ ‬أي‭ ‬إلى‭ ‬الضحك‭ ‬العاقل‭ ‬والمتأمل‭ ‬والمتفلسف،‭ ‬هذا‭ ‬الضحك‭ ‬العاقل‭ ‬تمثله‭ ‬السخرية‭ ‬دائما،‭ ‬وهي‭ ‬موجودة‭ ‬عند‭ ‬كبار‭ ‬المفكرين‭ ‬والمبدعين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬تصرفهم‭ ‬العيوب‭ ‬الجسدية‭ ‬والاختلالات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬عن‭ ‬القبض‭ ‬عن‭ ‬المفارقات‭ ‬الوجودية‭ ‬الكبرى،‭ ‬والذين‭ ‬يرتقون‭ ‬بالسؤال‭ ‬الصغير‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬المسألة‭ ‬الكبرى،‭ ‬ولهذا،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬الحكواتي‭ ‬الاحتفالي‭ ‬‮«‬كن‭ ‬متفائلا‭ ‬لحدّ‭ ‬التشاؤم،‭ ‬وكن‭ ‬متشائما‭ ‬لحدّ‭ ‬التفاؤل،‭ ‬واضحك‭ ‬لحدّ‭ ‬البكاء،‭ ‬وابك‭ ‬لحدّ‭ ‬الضحك،‭ ‬وادفع‭ ‬بكل‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬أقصاها‭ ‬وأعلاها،‭ ‬وفي‭ ‬أقصى‭ ‬أيّ‭ ‬حالة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬يخالفها‭ ‬ويناقضها‮»‬‭ ‬‭)‬الأعمال‭ ‬المسرحية‭ ‬الكاملة‭(‬‭.‬
    في‭ ‬زمن‭ ‬من‭ ‬الأزمان،‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬المهرج‭ ‬التقليدي‭ ‬القديم‭ ‬يسعى‭ ‬لإضحاك‭ ‬ذلك‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬كان،‭ ‬وكان‭ ‬لذلك‭ ‬المهرج‭ ‬بذلته‭ ‬الغريبة‭ ‬والعجيبة،‭ ‬وكان‭ ‬له‭ ‬حذاء‭ ‬كبير‭ ‬عملاق،‭ ‬وكان‭ ‬له‭ ‬أنف‭ ‬منتفخ‭ ‬أحمر،‭ ‬وكانت‭ ‬له‭ ‬مقالبه‭ ‬وشقلباته‭ ‬وشطحاته‭ ‬البهلوانية،‭ ‬وفي‭ ‬السينما‭ ‬الصامتة‭ ‬أيضا،‭ ‬كانت‭ ‬لشارلي‭ ‬شابلن‭ ‬قامته‭ ‬القصيرة‭ ‬بين‭ ‬العمالقة،‭ ‬وكانت‭ ‬له‭ ‬بذلته‭ ‬وطربوشه،‭ ‬وكان‭ ‬له‭ ‬عكازه‭ ‬ومشيته‭ ‬الغريبة،‭ ‬وكان‭ ‬في‭ ‬ضحكه‭ ‬فيلسوفا،‭ ‬وكان‭ ‬في‭ ‬فلسفته‭ ‬ضاحكا،‭ ‬وكان‭ ‬حكيما،‭ ‬وكان‭ ‬مقنعا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مغامراته‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬خصوماته‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬التكافؤ‭ ‬وإلى‭ ‬المنطق،‭ ‬وكان‭ ‬جمهوره،‭ ‬ولا‭ ‬يزال،‭ ‬مقتنعا‭ ‬بما‭ ‬يقدم‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬مفارقات‭ ‬بريئة‭ ‬ومضحكة،‭ ‬ذلك‭ ‬المهرج‭ ‬إذن،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬‮«‬السيركية‮»‬‭ ‬أو‭السينمائية،‭ ‬لم‭ ‬يقدم‭ ‬ضحكا‭ ‬خالصا،‭ ‬وكان‭ ‬الحزن‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يشكّل‭ ‬عمق‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬حركته‭ ‬وكلامه‭ ‬وفي‭ ‬حياته‭ ‬دائما،‭ ‬وقد‭ ‬يبكي‭ ‬هذا‭ ‬المهرج‭ ‬في‭ ‬ضحكه‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬ندري،‭ ‬وقد‭ ‬ننخدع‭ ‬بأصباغ‭ ‬الوجه،‭ ‬وتلهينا‭ ‬عن‭ ‬ألوان‭ ‬الداخل‭ ‬الخفية،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬الأصدق‭ ‬دائما،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬ذلك‭ ‬الاحتفال‭ ‬المسرحي‭ ‬دائما،‭ ‬والذي‭ ‬يحمل‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬مقامات‭ ‬بهلوانية‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬ختام‭ ‬احتفالية‭ ‬السيرك‭ ‬اليومية،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬أدّى‭ ‬المهرج‭ ‬نمرته،‭ ‬وأضحك‭ ‬كل‭ ‬الأطفال،‭ ‬نجده‭ ‬ينسحب‭ ‬إلى‭ ‬مقصورته‭ ‬تشيّعه‭ ‬ضحكات‭ ‬الأطفال‭ ‬البريئة،‭ ‬وعندما‭ ‬ندخل‭ ‬خلفه‭ ‬خلسة،‭ ‬نفاجأ‭ ‬إذ‭ ‬نراه‭ ‬جالسا‭ ‬إلى‭ ‬مرآته‭ ‬وهو‭ ‬يبكي‭.. ‬يبكي‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬ألم‭ ‬المرض،‭ ‬وعندما‭ ‬يسأل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬يقول‭:‬
    –‭ ‬‮«‬إنني‭ ‬أبكي‭ ‬يا‭ ‬ولدي‭.. ‬فرحا‭ ‬أبكي،‭ ‬ودموع‭ ‬الفرح‭ ‬أصدق‭ ‬الدموع‭ ‬وأنبل‭ ‬كل‭ ‬الدموع‮»‬‭ ‬‭)‬الأعمال‭ ‬المسرحية‭ ‬الكاملة‭(‬‭‬
    وآخر‭ ‬الكلام،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفقرة‭ ‬من‭ ‬الكلام،‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الطرق‭ ‬تلتقي‭ ‬عند‭ ‬ملتقى‭ ‬الطرق،‭ ‬وأنها‭ ‬كلها‭ ‬تفترق‭ ‬عند‭ ‬مفترق‭ ‬الطرق‭ ‬أيضا،‭ ‬والملتقى‭ ‬والمفترق‭ ‬هما‭ ‬معا‭ ‬نفس‭ ‬النقطة،‭ ‬ونحن‭ ‬ننطلق‭ ‬منها‭ ‬ونعود‭ ‬إليها،‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬ندري،‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬ندري،‭ ‬وتتعدد‭ ‬الأسماء‭ ‬في‭ ‬كلامنا‭ ‬وفي‭ ‬كتاباتنا‭ ‬والمسمى‭ ‬دائما‭ ‬واحد‭ ‬أوحد،‭ ‬مما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬نختلف‭ ‬عليه،‭ ‬هو‭ ‬نفس‭ ‬ما‭ ‬نتفق‭ ‬عليه‭.‬
    في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬اليوم،‭ ‬يلتقي‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بأيّ‭ ‬شيء،‭ ‬يلتقي‭ ‬المضحك‭ ‬والمبكي،‭ ‬نعم،‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوجه‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬العين‭ ‬يلتقيان،‭ ‬وأمام‭ ‬نفس‭ ‬المشاهد‭ ‬المرعبة‭ ‬والقاسية‭ ‬والمجنونة‭ ‬يلتقيان،‭ ‬فهل‭ ‬نضحك‭ ‬أم‭ ‬نبكي،‭ ‬أم‭ ‬نضحك‭ ‬ضحكا‭ ‬كالبكاء‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الحكيم‭ ‬المتنبي؟
    ‮ 
    ‬حدود‭ ‬المأساة‭ ‬والملهاة
    ‮‬بين‭ ‬المأساوي‭ ‬والملهاوي‭ ‬شعرة‭ ‬رقيقة‭ ‬ودقيقة‭ ‬جدا،‭ ‬فوراء‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منها‭ ‬حالة‭ ‬مختلفة‭ ‬ومخالفة،‭ ‬والمرور‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬نفسية‭ ‬ووجدانية‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬ليس‭ ‬بالأمر‭ ‬الصعب،‭ ‬سواء‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الكاتب‭ ‬أو‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الممثل‭ ‬أو‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المخرج‭ ‬أو‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المتلقي‭ ‬أو‭ ‬المتلاقي‭ ‬في‭ ‬الاحتفال‭ ‬المسرحي،‭ ‬فهم‭ ‬جميعهم‭ ‬يعيشون‭ ‬العمر‭ ‬المسرحي‭ ‬باعتباره‭ ‬ديوانا‭ ‬واحدا‭ ‬موحّدا،‭ ‬وباعتباره‭ ‬مأدبة‭ ‬حسية‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬الحواس،‭ ‬ومفتوحة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الحالات‭ ‬والمقامات،‭ ‬ومفتوحة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الممكنات‭ ‬والاحتمالات،‭ ‬وكل‭ ‬العناصر‭ ‬متفاعلة‭ ‬ومتغيرة‭ ‬ومتحوّلة‭ ‬ومتجدّدة‭ ‬في‭ ‬كيمياء‭ ‬الاحتفال‭ ‬المسرحي،‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬ثابت‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬مساره‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يشبه‭ ‬مسار‭ ‬النهر‭ ‬المتدفق‭ ‬مياها‭ ‬لا‭ ‬تكف‭ ‬عن‭ ‬التجدد‭ ‬أبدا‭.‬
    شيء‭ ‬مؤكد‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحزن‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬يضحك‭ ‬غدا،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬يضحك‭ ‬هذا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يضحك‭ ‬ذاك،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يُسعد‭ ‬هنا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يُسعد‭ ‬هناك،‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الناس‭ ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬المسرح‭ ‬المتحرك،‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتوقف‭ ‬لحظة‭ ‬عن‭ ‬الحركة،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬مؤكد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الضحك‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يسبق‭ ‬دائما،‭ ‬وأن‭ ‬فعل‭ ‬البكاء‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يبلغ‭ ‬الفرح‭ ‬مداه،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬يبلغ‭ ‬أعلى‭ ‬درجة‭ ‬فيه،‭ ‬وكأنه‭ ‬بذلك‭ ‬يستجيب‭ ‬للمثل‭ ‬ـ‭ ‬القاعدة‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬حدّه‭ ‬ينقلب‭ ‬إلى‭ ‬ضدّه‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬عادة‭ ‬الإنسان‭ ‬المغربي،‭ ‬مثلا،‭ ‬عندما‭ ‬يكثر‭ ‬من‭ ‬الضحك،‭ ‬أن‭ ‬ينتابه‭ ‬فجأة‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬والقلق،‭ ‬وبذلك‭ ‬نسمعه‭ ‬يردد‭ ‬لازمة‭ ‬‮«‬اللهم‭ ‬اجعل‭ ‬ختام‭ ‬هذا‭ ‬الضحك‭ ‬خيرا‮»‬‭.‬
    وعليه،‭ ‬فإنني‭ ‬أرى‭ ‬من‭ ‬البلادة‭ ‬أن‭ ‬ينعت‭ ‬كاتب‭ ‬مسرحية‭ ‬من‭ ‬مسرحياته،‭ ‬وأن‭ ‬يكتب‭ ‬على‭ ‬غلافها‭ ‬بأنها‭ ‬كوميديا‭ ‬أو‭ ‬تراجيديا‭ ‬أو‭ ‬تراجيكوميديا،‭ ‬وأرى‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الفعل،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬حدوثه،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬مصادرة‭ ‬صريحة‭ ‬لحق‭ ‬القارئ‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يقرأ‭ ‬نصه‭ ‬كما‭ ‬يشاء‭ ‬هو،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬تشاء‭ ‬له‭ ‬ثقافته‭ ‬أو‭ ‬حضارته،‭ ‬وكما‭ ‬تشاء‭ ‬له‭ ‬شروطه‭ ‬وظروفه‭ ‬الخاصة،‭ ‬ومثل‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭ ‬دائما،‭ ‬هو‭ ‬وصاية‭ ‬على‭ ‬جهاز‭ ‬التلقّي‭ ‬لدى‭ ‬المتلقّي،‭ ‬وهو‭ ‬إلغاء‭ ‬لحرية‭ ‬القراءة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬الوجه‭ ‬الثاني‭ ‬لحرية‭ ‬المبدع،‭ ‬وتصل‭ ‬هذه‭ ‬المصادرة‭ ‬أقصاها‭ ‬عندما‭ ‬ترفع‭ ‬بعض‭ ‬المسرحيات‭ ‬التجارية‭ ‬الشعار‭ ‬التالي‭ ‬‮«‬ثلاث‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬الضحك‭ ‬المتواصل‮»‬‭ ‬وكأنها‭ ‬بهذا‭ ‬تصدر‭ ‬فرمانا‭ ‬يلزم‭ ‬الجمهور‭ ‬بأن‭ ‬يضحك‭ ‬عددا‭ ‬معينا‭ ‬من‭ ‬الساعات،‭ ‬أو،‭ ‬ربما،‭ ‬عددا‭ ‬معينا‭ ‬من‭ ‬الضحكات‭.‬
    ________________________________________
    د.عبدالكريم برشيد
    كاتب ومخرج مسرحي-المغرب
    المقال منقول عن مجلة الجديد
    نُشر في 01/10/2016، العدد: 21، ص(138)

      الوقت/التاريخ الآن هو 2017-11-23, 09:27