جريدة الجسر الجديد

الخبر مقدس والتعليق حر..
نرحب بالزوار الكرام في الجسر الجديد / الطريق الجماعي ...
على درب التنمية الحقيقية لبلدنا.. وتفاعلا مع التغيير النزيه...
جريدة الجسر الجديد

جريدة الجسر الجديد: جريدة جهوية تنموية مستقلة شاملة تصدر من الخميسات/المغرب


    غيرنا يكرم القرآن ونحن نحفظه ونرتله ولا نعمل به

    شاطر
    avatar
    aljisraljadide
    Admin

    عدد المساهمات : 815
    نقاط : 12568
    تاريخ التسجيل : 19/11/2010
    العمر : 45

    غيرنا يكرم القرآن ونحن نحفظه ونرتله ولا نعمل به

    مُساهمة من طرف aljisraljadide في 2014-03-09, 15:20

    غيرنا يكرم القرآن ونحن نحفظه ونرتله ولا نعمل به
    (التركيز على ظاهرة الرشوة نموذجا)

    ذ. بنعيسى احسينات – المغرب

    بسم الله الرحمن الرحيم  " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا "، صدق الله العظيم. هذه آية من القرآن الكريم، رقم 135 من سورة النساء، وضعتها جامعة هارفارد الأمريكية في مدخل كلية الحقوق، على الحائط المقابل للمدخل الرئيسي. ولقد وصف القائمون على الكلية هذه الآية بأنها "أعظم عبارات العدالة في العالم وعبر التاريخ، لهذا تم ترجمتها ونشرها في الكلية ".
    هذا، ونحن في العالم العربي الإسلامي، لا نجد هذه الآية الكريمة وغيرها في واجهات وزارتنا، في العدل ومحاكمنا وكلياتنا في الحقوق والشريعة، على الأقل تعلق في مكتب وزير العدل ومكاتب القضاة والمحامين، لتذكيرهم بواجباتهم وإن كان الطمع في الواقع يعمي البصائر.. وكأننا لا نحتاج إلى التذكير، يقول تعالى:"وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين". وهكذا تجد الفساد مستشريا صباح مساء في مؤسساتنا؛ من وزارة العدل ومحاكم وغيرها، التي ينخرها على الدوام، حيث تنتشر الرشوة بدون حسيب أورقيب، إذ كثر سماسرة المحاكم والتباهي بمعرفة الرؤوس المرتشية، والتعريف بهم في نطاق واسع كنجوم وكشخصيات اعتبارية، كأنهم يتمتعون بحصانة وبحقوق، يلجأ إليهم كل من أراد قضاء حاجاته إما ظالما أو مظلوما، وذلك أمام مرأى ومسمع الجميع. المهم أن يؤدي فاتورة ذلك بسخاء.
    لقد أوصانا نبينا سيدنا محمد صل الله عليه وسلم، في حادث عبد الله بن اللتبية الأزدي الزهراني، الذي استعمله النبي الكريم على الصدقة، فلما قدم قال: "هذا لكم، وهذا أهدى إلي!!".  فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال) ص): "أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم علي العمل مما ولاَني الله فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا ؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله بحمله يوم القيامة فلا أعرفن أحدكم منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أوبقرة لها خوار، أوشاة تيعر"، ثم رفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه يقول: "اللهم هل بلغت" .
    في هذه " الوصية " يحذر النبي الكريم صلي الله عليه وسلم من استغلال المناصب ، وبكبح جماح كل من ولاه الله تعالى منصبا عن أموال الناس وهداياهم، ويبين فيها: أن من استعمل على عمل فمد يده لهدايا الناس أوأموالهم فهو آثم ومرتش.

    فماذا نعني بالرشوة؟

    ذكر ابن عابدين في حاشيته: أن الرشوة هي: "ما يعطيه الشخص لحاكم أوغيره ليحكم له أويحمله على ما يريد. وهي ما يمده المحتاج من مصانعة ومال ونحوه لنيل حاجة متعذرة. أوهي ما يدفعه ظالم لأخذ حق ليس له، أولتفويت حق علي صاحبه انتقاما منه ومكرا به، وللحصول علي مناصب ليس جديرا به، أوعمل ليس أهلا له. وهى ضرب من ضروب أكل أموال الناس بالباطل، وهى ماحقة للبركة ومزيلة لها". والمشاركون فيها ثلاث:1- الراشي: المعطي للرشوة. 2- والمرتشي: الآخذ لها. 3- والرائش: الوسيط بينهما.
    لقد أصبحت الرشوة اليوم من الآفات القاتلة الفتاكة، باعتبارها وجبة العصر يتناولها المستفيدون منها راش ومرتش ورائش (وسيط)، بنهم كبير وشراسة منقطعة النظير. فهي تنخر أمعاء المجتمعات بأطعمة الفساد السامة. بل هي عملة في المتناول، تشري بإباحية واضحة بين الناس، تحت أسماء مقبولة بعيدة كل البعد عن المعاني المشينة للرشوة. فهي في الأعراف، حق من الحقوق المستباحة، لكل قادر على استجلابها بالواضح وبالمرموز، في كل مجالات الحياة بسلوك مريض مهزوز، لقضاء حاجة مستعصية بأقل تكلفة في الإنجاز. وكذا هي واجب من الواجبات عند غالب الراشين، من أجل خرق القانون واستغلاله عند النصابين، وعند محتاج يكره الانتظار وتسويف الإداريين، أوللتملص من تطبيق القانون عند الدركيين والأمنيين، أولابتزاز أصحاب السلطة والنفوذ والمفترين، أولقلب الحقيقة والمحاضر لصالح الظالمين، وبقدرة قادر، يتحولون إلى ضحايا ومظلومين، أوللفوز بصفقات المناقصة لدى الانتهازيين.
    لقد أطلق على الرشوة أسماء كثيرة مستحسنة لا مجال لذكرها، لكونها معروفة لدى القاصي والداني، وذلك لتجنب صفاتها الدنيئة والمخزية والمحرمة شرعا وقانونا وأخلاقيا، وهي منتشرة في كل المجالات بكل المؤسسات الإدارية والاجتماعية، ولم يسلم منها أحد في المجتمع بكامله، حتى داخل الأسر والحياة العامة. لقد أصبحت الرشوة اليوم الهواء الملوث الذي يتنفسه الجميع بدون استثناء، إذ عرفت اندمجا كبيرا، بشكل بنيوي ووظيفي، في الثقافة العامة للمجتمع، خلافا للقيم الكونية المتضمنة للحق والخير والجمال.
    فالرشوة تقوم في ممارستها على الترغيب والترهيب والوساطات، هي آفة وفساد وغش تنخر المجتمعات، تعوَد عليها الراشون قهرا لقضاء الحاجات، مرغمون أبدا على أدائها بدون أي مبررات، راضون بأمر الواقع القاهر وبالحال المريب، دون محاسبة الضمير أومخافة الله الرقيب، مدمنون عليها، راش ومرتش ورائش، بدون حسيب، لا قيم أخلاقية ولا دين قويم يردع هؤلاء المنافقين الفاسدين، فرغم كونهم مؤمنون ظاهريا؛ يركعون ويسجدون، وعلى صلاتهم مداومون، يصومون ويزكون، وفي الغالب يحجون بيت الله الحرام، لكن أصابعهم الآثمة ممدودة أخذا وعطاءَ، واللعنة عليهم أبدا، تتبعهم صباحا ومساءَ.
    لقد حرم الإسلام الرشوة في الكتاب والسنة، وفي جميع الأديان؛ سماوية وغير سماوية. والراشي والمرتشي والوسطاء، وعدوا بالنار، تلاحقهم اللعنة دائما في كل مكان ليل نهار، مهما صلى وصام وتلا القرآن في السر والعلن وتذرع بكل إيمان والتزام، ومهما زكى وحج، إن استطاع، لبيت الحرام سبيلا.
    وللقضاء على هذه الآفة، وإن كان هذا الأمر صعب جدا تربويا وثقافيا، لا بد أن تتضافر جهود الجميع، خصوصا المسئولين على رأس الإدارات والمؤسسات التي تنخرها يوميا هذه الآفة الفتاكة، وذلك عن طريق مراقبة موظفيهم مراقبة دقيقة باستعمال الكاميرات، وفتح باب الشكايات للمواطنين الذين يتعرضون يوميا لاستفزاز هؤلاء، لكن بعض المسئولين بصمتهم وتجاهلهم بما يجري في إدارتهم من خروقات واختلالات رغم كون رائحة الفساد وتعاطي الرشوة تزكم الأنوف، فهم مشاركون ومتواطئون بشكل مباشر أوغير مباشر، في الأفعال الخارجة عن القانون في إداراتهم ومؤسساتهم. فينبغي محاسبة رؤساء الموظفين المدانون بالرشوة، باعتبارهم  ستروا عليهم بشكل من الأشكال.
    هذا، دون أن ننسى تبسيط المساطر الإدارية وشفافيتها وتشريع القانون المناسب لمحاربة الرشوة والعمل على تطبيقه بكل صرامة وربط المسئولية بالمحاسبة وحماية الشهود واستعمال الكاميرات لضبط المخالفين. كما لا ننسى دور التنشئة الاجتماعية ابتداء من الأسرة، والتربية والتعليم والساهرين على الثقافة الاجتماعية، والحملات التحسيسية في المؤسسات التعليمية جميعها، وفي المساجد ووسائل الإعلام بمختلف تصنيفاتها بشكل مستمر ودائم، مع استعمال لوحات إشهارية معقولة في كل المؤسسات والإدارات المستهدفة وأمام المساجد والساحات العمومية وغيرها، تحمل عبارات مؤثرة ذات أبعاد دينية وأخلاقية؛ كالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والحكم المأثورة ذات صلة. وما أكثرها وما أبلغها.. هكذا يمكن مضايقة ومحاصرة المتعاطين للرشوة والتقليل من تأثيرهم ومن نفوذهم، كسبيل للقضاء على الظاهرة مستقبلا.
    فمن العار أن تتفشى في بلاد الإسلام والاعتدال، ممارسات من رشوة وتحرش بالنساء والأطفال، ومن نفاق وغش وكذب، وفساد ونصب واحتيال، فكيف لبلد كالمغرب على سبيل المثال، به الآلاف من المساجد والصوامع، وبلد يحكمه أميرُ المؤمنين، وبلد أشهر الجوامع، وبلد المجالس العلمية ودار الحديث الحسنية، وبلد الفقهاء ورجال العلم والدروس الرمضانية، وبلد الزوايا والأضرحة والمدارس الدينية العتيقة، ومدفن أولياء الصالحين وحفظة القرآن الكريم. فبهذا وذاك، تكون مرتعا خصبا للراشين والمرتشين والوسطاء، وسوقَا للنخاسة وللمتحرشين وكذا المغتصبين، وتجارُ الرذيلة في الظلام، وباقي كبار المفسدين، فأين هي أخلاق الإسلام وأخلاق المسلمين؟ فإن لم يقم الإسلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يبقى مجرد إيمان دون عمل، وبدون ذكر يُذكَر. فما مكانة المسلم بلا قيم الإسلام في الوجود، إذا لم ينعكس إيجابا في الحياة اليومية للأفراد؟
    فالإسلام دين معاملة، والإيمان والعمل لا ينفصلان، فلا إيمان بدون عمل، وهما متلازمان في القرآن الكريم لقوله تعالى: "والذين آمنوا وعملوا الصالحات..". لكن نجد أن المسلمين يلتقون في الغالب مع الإسلام في الأقوال والشكليات، إلا أن هناك فرق كبير بين الإسلام والمسلمين عند التطبيق في الأفعال والممارسات. فالإسلام أخلاق بعد الإيمان وعبادة الله عز وجل. فإذا ما الأخلاق انسحبت، لم يعد للمؤمنين أي معنى وأي مآب. قال النبي صلى الله عليه وسلم "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً"، فينبغي أن يكون هذا الحديث دائماً نصب عين المؤمن، لأن الإنسان إذا علم بأنه لن يكون كامل الإيمان إلا إذا أحسن خلقه، كان ذلك دافعاً له على التخلق بمكارم الأخلاق ومعالي الصفات، وترك أخبثها وأردؤها.
    فما يلاحظ اليوم كقاعدة سلوكية عامة في مجتمعاتنا هي: النفاق والتحايل على القانون والتملص من القيام بالواجب، والنصب والاحتيال وعدم ربط المسئولية بالمحاسبة؛ من أجل تبرير الفساد المستشري بقوة في البلاد؛ من رشوة وغش بأنواعه، وفساد إداري والزبونية والمحسوبية ونهب للمال العام، وظلم اجتماعي وقضاء مرتشي والتسيب في المناقصة وهلم جرى. لذا نحتاج إلى إرادة سياسية قوية واضحة مسئولة، وإلى وعي اجتماعي عميق، وإلى تربية قويمة وتقويمية، وإلى قانون شفاف يحكم الجميع، وإلى أخلاق فاضلة  التي هي من مقاصد الرسالة النبوية حيث أخبرنا صل الله عليه وسلم في حديثه الشريف بأن بعثته كانت لإتمام محاسن الأخلاق. لقد قال عليه الصلاة والسلام: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". فالشرائع السماوية التي شرعها الله للعباد، كلها تحث على الأخلاق الفاضلة، ولكن الشريعة الشاملة والكاملة هي تلك التي جاء بها النبي محمد صل الله عليه وسلم، من أجل إتمام مكارم الأخلاق وفضائل الخصال ومحاسن السلوك.
    ----------------------------
    ذ. بنعيسى احسينات - المغرب

      الوقت/التاريخ الآن هو 2017-10-18, 23:36